الخطيب الشربيني
385
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
منبها لمن غفل موبخا لمن جحد ورادّا على أهل القدر الذين يدعون أنهم يخلقون أفعالهم ومنبها على نعمة الإيجاد الأول هَلْ مِنْ خالِقٍ أي : للنعم وغيرها غَيْرُ اللَّهِ أي : فليس لغيره في ذلك مدخل يستحق أن يشرك به ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الراء نعتا لخالق على اللفظ ومن خالق مبتدأ مزاد فيه من ، والباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر المبتدأ ، والثاني : أنه صفة لخالق على الموضع والخبر إما محذوف وإما يرزقكم . والثالث : أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية ؛ لأن اسم الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام . ولما كان جواب الاستفهام قطعا لا بل هو الخالق وحده قال منبها على نعمة الإبقاء الأول بقوله تعالى : يَرْزُقُكُمْ أي : وحده فنعمة الله تعالى مع كثرتها منحصرة في قسمين : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإبقاء . ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال مِنَ السَّماءِ أي : بالمطر وغيره وَالْأَرْضِ أي : بالنبات وغيره . ولما بين تعالى أنه الرازق وحده قال لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي : من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق وتشركون المنحوت بمن له الملكوت . ولما بين تعالى الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ أي : يا أشرف الخلق في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب وغير ذلك فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ في ذلك ، فإن قيل : فما وجه صحة جزاء الشرط ومن حق الجزاء أن يعقب الشرط وهذا سابق له ؟ أجيب : بأن معناه وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك فوضع فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ موضع « فتأس » استغناء بالسبب عن المسبب أعني بالتكذيب عن التأسي ، فإن قيل : ما معنى التنكير في رسل ؟ أجيب : بأن معناه فقد كذبت رسل أي : رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ونذر وأهل أعمار طوال ، وأصحاب صبر وعزم وما أشبه ذلك ، وهذا أسلى له وأحث على المصابرة . قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل ، وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية ، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتعنتين . ثم بين من حيث الإجمال أن المكذّب في العذاب ، وأن المكذّب له الثواب بقوله تعالى : وَإِلَى اللَّهِ أي : وحده ؛ لأن له الأمور كلها تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي : في الآخرة فيجازيكم وإياهم على الصبر والتكذيب . ثم بين تعالى الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله تعالى إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أي : الذي له صفات الكمال بكل ما وعد به من البعث وغيره حَقٌّ أي : ثابت لا خلف فيه ، وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب ويعرض عن الأحساب والأنساب فَلا تَغُرَّنَّكُمُ أي : بأنواع الخداع من اللهو والزينة الْحَياةُ الدُّنْيا فإنه لا يليق بذي همة علية اتباع الدنيء والرضا بالدون الزائل عن العالي الدائم وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ أي : الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعال الْغَرُورُ أي : الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو .